الأربعاء 10 جمادى الثانية 1430
مصنف ضمن : مع القرآن
78 زيارة

سبيل تدبّر كتاب الله

إنّ اللغة العربيّة تفخر على كلّ اللغات بمزايا كثيرة ليستْ في غيرها ، منها :
أنهّا الأطول عمراً حيث تكفّل الله تعالى بحفظها حين تكفّل بحفظ كتابه الذي نزل بلسانٍ عربيًّ مبين : { إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ } [ الحجر : 9 ] ، وأنهّا الأغزر مادةً حيث تزيد موادّها على مئة ألف سوى المشتقّات ، وأنّها الأبلغ في مراعاة مقتضى الحال ، ولذلك تفرّدتْ بكثرة القواعد النحويّة والصرفيّة والبلاغيّة التي يستطيع بها الموهوب أن يملك ناصية البيان ، ومع ذلك تمتاز بالسهولة ؛ فهي بحرٌ له عمقٌ ، وله سطحٌ ، وعلى قدر همّة الغوّاص يحصل على الدرر ، وإذا كانت العربّية بحراً فإنّ القرآنَ أنْفَسُها درراً ولؤلؤاً ، ولكنّ الحصول على جواهره يحتاج إلى غواصٍ ماهرٍ ، عدّتُهُ التدبُّرُ العميقُ لآياته وسوره .
وإن لبلوغ منـزلة المتدبرين للقرآن الكريم وللوقوف على مدى بلاغته وإعجازه ثلاثةَ أركان :
الأوّل : فهم علوم اللغة .
والثاني : الإخلاص .
والثالث : الذوق السليم . وسأكتفي بإيراد أقوال لبعض العلماء الأعلام في هذه الأركان :

الركن الأوّل : فهم علوم اللغة :
وأقصد بعلوم اللغة نحوَها وصرفَها وبلاغتَها ودلالاتِ ألفاظها ؛ فإنّ فهم أسرار اللغة العربية ، ومنها القرآن الكريم ، يحتاج إلى الاطلاع على كلّ علومها مجتمعة ؛ لأنّها حلقةٌ متّصلةٌ ، يأخذ بعضها برقاب بعضٍ ، قال شيخ الإسلام ابن تيميّة – رحمه الله -: ” لابدَّ في تفسير القرآن والحديث من أن يَعْرِفَ ما يدلّ على مراد الله ورسوله صلى الله علية وسلم من الألفاظ ، وكيف يفهم كلامه ؛ فمعرفة العربيّة التي خوُطبنا بها ممّا يعينُ على أن نفقه مرادَ الله ورسوله بكلامه ، وكذلك معرفةُ دلالة الألفاظ على المعاني ؛ فإنّ عامّة ضلال أقل البدع كان بهذا السبب ؛ فإنّهم صاروا يحملون كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على ما يدّعون أنه دالٌ عليه ، ولا يكون الأمرُ كذلك ” .
والثمرة العظمى لهذا الفهم هو التدبّر الذي نُدِبَ المرءُ إليه ؛ ليؤديَ به ذلك إلى الإيمان بالله مُنْزِِلِ هذا الكتاب ، وإلىَ تعظيم القرآن وَمَنْ أوحاه ، وَمَنْ بَلَّغَهُ ، وهذه كلّها لا تتأتّى إلا لمن عَرَفَ لغته ، وأدرك أسرارها ، قال ابن النقيب – رحمه الله – :
” إنّما يعرف فضل القرآن مَنْ عَرَفَ كلام العرب ، فَعَرَفَ علم اللغة ، وعلم العربيّة ، وعلم البيان … فإذا علم ذلك ، ونظر في هذا الكتاب العزيز ، ورأى ما أودعه الله – سبحانه – فيه من البلاغة والفصاحة وفنون البيان ، فقد أوتي فيه العجبَ العجابَ ، والقولَ الفصلَ اللبابَ ، والبلاغةَ الناصعةَ التي تحيّر الألبابَ ، وتُغلقُ دونها الأبوابُ … ولذلك يقع في النفوس عند تلاوته وسماعه من الروعة ما يملأ القلوبَ هيبةً ، والنفوسَ خشيةً ، وتستلذّه الأسماعُ ، وتميل إليه بالحنين الطباعُ ، سواءً كانت فاهمةً لمعانيه ، أو غير فاهمةٍ ، عالمةً بما يحتويه ، أو غيرَ عالمة ، كافرةً بما جاء به ، أو مؤمنةً ” .

الركن الثاني : التقوى والإخلاص والتجرّد :

فالقرآن العظيم نور الله ، وفهمه يحتاج إلى نورٍ منه {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ } ( النور :40) ، قال الزركشيّ – رحمه الله – : ” اعلم ْ أنّه لا يحصلُ للناظرِ فهمُ معاني الوحي حقيقةً ، ولا تظهرُ له أسرارُ العلم من غيبِ المعرفة ، وفي قلبهِ بدعةٌ، أو إصرارٌ على ذَنْبٍ ، أو في قلبه كِبْرٌ ، أو هوى ، أو حُبُّ دنياَ ، أو يكونُ غيرَ متحقّقِ الإيمانِ ، أو ضعيفَ التحقيقِ ، أو معتمداً على قول مفسِّرٍ ليس عنده إلا علمٌ بظاهرٍ ، أو يكونُ راجعاً على معقولِهِ ، وهذه كلَُّها حُجُبٌ وموانعُ ، وبعضُها آكَدُ من بعضٍ ، (فـ) إذا كان الَعَبدُ مصْغياً إلى كلامِ ربَّهِ ، ملقيَ السمعِ، وهو شهيدٌ ، لمعاني صفات مخاطِبهِ ، ناظراً إلى قدرته ، تاركاً للمعهود من علمه ومعقوله ، متبرّئَاً من حوله وقوّته ، معظّماً للمتكلَّمِ ، مفتقراً إلى غيبِ الجوابِ بدعاء وتضرّعٍ ، وابتئاسٍ وتمسكنٍ ، وانتظارٍ للفتحِ عليه من عند الفتّاحِ العليمِ ، وليستعنْ على ذلك بأن تكون تلاوتُهُ على معاني الكلام وشهادة وصفِ المتكلّم من الوعد بالتشويق والوعيد بالتخويف والإنذار بالشديد ، فهذا القارئ أحسنُ الناس صوتاً بالقرآن ، وفي مثل هذا قال تعالى : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } ( البقرة) ، وهذا هو الراسخ في العلم ، جعلنا الله من هذا الصنف } واللهُ يَقُولُ الحقَّ وَهُوَ يَهدي السبيل { (الأحزاب).

الركن الثالث : الذوق اللغويّ السليم :
إنّ قراءة القرآن الكريم ، ولو توافر معها التقوى والإخلاص ومعرفة العربيّة ، لا تستلزم القدرة على الوقوف على جمال الأسلوب وبلاغة كلام العرب ؛ لأنّ ذلك يحتاج أيضاً إلى ذوق سليمٍ ، وكذلك إدراك مواطن الإعجاز اللغويّ في القرآن الكريم يتطلّبُ وجود مَلَكَةِ الذوق القادرِ على تمييز الفروق بين المشتبهات وأسرارها ، وعلى مواطن الفصاحة والبلاغة وإجراء الكلام على النسق الرائع ، قال ابن أبي الحديد : ” اعلمْ أنّ معرفة الفصيح والأفصح ، والرشيق والأرشق ، والجليّ والأجلى ، والعليّ والأعلى من الكلام أمرٌ لا يُدْرَكُ إلا بالذوق ، ولا يمكن إقامةُ الدلالةِ المنطقيّة عليه ، وهو بمنـزلة جاريتين : إحداهما بيضاءُ مُشْرَبَةٌ حُمْرَةً ، دقيقةُ الشفتين ، نقيّة الشَّعْرِ ، كحلاءُ العينِ، أسيلةُ الخدَّ : دقيقةُ الأنفِ ، معتدلةُ القامة .
والأخرى دونها في الصفات والمحاسن ، لكنّها أحلى في العيون والقلوب منها ، وأليقُ وأملحُ ، ولا يُدْرى لأيَّ سببٍ كان ذلك ، لكنّه بالذوق والمشاهدة يُعْرَفُ ، ولا يمكن تعليله .
وهكذا الكلامُ ، نعمْ يبقى الفرقُ بين الوصفين أنّ حُسْنَ الوجوهِ وملاحتَها ، وتفضيلَ بعضِها على بعضٍ يدركه كلُّ مَنْ له عينٌ صحيحةٌ ، وأمّا الكلامُ فلا يعرفه إلا بالذوق ، وليس كلُّ مَنِ اشتغلَ بالنحو أو باللغة أو بالفقه كان من أهل الذوق ، ومّمن يصلح لانتقاد الكلام .
وإنّما أهلُ الذوق هم الذين اشتغلوا بعلمِ البيان ، وراضوا أنفسهم بالرسائل والخطب والكتابة والشعر ، وصارتْ لهم بذلك دُرْبَةٌ ومَلَكَةٌ تامّةٌ ، فإلى أولئك ينبغي أن يُرْجَعَ في معرفةِ الكلام ، وفضلِ بعضِهِ على بعضٍ ” .
ولا شكَّ في أنّ سائلاً سيقول : ولكنْ أيكون الذوقُ فطريّاً أم مكتسباً ؟ ، فأقول : إنّ الذوق في الأصل ملكةٌ فطريّةٌ ، لكنّ الاكتساب فيه هو المعتَمَدُ ، ولذلك قال الزمخشريّ عن تدبّر كتاب الله : ” إنّ أملأ العلوم بما يغمر القرائح ، وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح ، من غرائبِ نكتٍ يلطفُ مسلكها ، ومستودعاتِ أسرارٍ يدقُّ سلكها ، علمُ التفسير الذي لا يتم ُّ لتعاطيه وإجابة النظر فيه كلّ ذي علمٍ ، كما ذكر الجاحظ في كتاب ( نظم القرآن ) ؛ فالفقيه وإنْ برّز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام ، والمتكلّم وإن بَزَّ أهلَ الدنيا في صناعة الكلام ، وحافظُ القصصِ والأخبارِ وإنْ كان من ابن القرَّيَّة أحفظَ ، والواعظُ وإن كان من الحسن البصريّ أوعظَ ، والنحويُّ وإنْ كان أنحى من سيبويه ، واللغويُّ وإن عَلَكَ اللغاتِ بقوّةِ لحييه ، لا يتصدّى منهم أحدٌ لسلوك تلك الطرائق ، ولا يغوصُ على شيء من تلك الحقائق إلا رجلٌ قد برع في علمين مختصّين بالقرآن ، وهما علم المعاني والبيان ، وتمهّل في ارتيادهما آونةً ، وتَعِبَ في التنقير عنهما أزمنةً ، وبعثته على تتبّع مظانّهما همّةٌ في معرفة لطائف حجّة الله ، وحرص على استيضاح معجزة رسول الله ، بعد أن يكون آخذاً من سائر العلوم بحظٍّ ، جامعاً بين أمرين : تحقيق وحفظ ، كثيرَ المطالعاتِ ، طويلَ المراجعاتِ ، قد رَجَعَ زماناً ، وَرُجِعَ إليه ، وَرَدَّ ، وَرُدَّ عليه ، فارساً في علم الإعراب ، مقدّماً في حملة الكتاب ، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها ، مشتعل القريحة وقّادها ، يقظان النفس دراكاً للمحة ، وإن لَطُفَ شأنها ، منتبهاً على الزَمرَة ، وإنْ خفي مكانها ، لا كَزّاً جاسياً ، ولا غليظاً جافياً ، متصرّفاً ذا دربهٍ بأساليب النظم والنثر ، مرتاضاً غير ريّض بتلقيح بناتِ الفكر ، قد علم كيف يُرَتَّبُ الكلامُ ، ويُؤَلَّفُ ، وكيف يُنْظَمُ ، ويُرْصَفُ ، طالما دُفِعَ إلى مضايقه ، ووقع في مضاحضه ومزالقه ” .