الجمعة 19 جمادى الثانية 1430
مصنف ضمن : أقلام الدعوة
80 زيارة

الوجه المشرق للشدائد والأزمات

طبيعةد. إبراهيم الدويش – مجلة الدعوة
هل نستطيع كأمة عربية وإسلامية أن نسعى ونتحرك لكيفية توظيف الفتن والأزمات خاصة بعدما تحل بساحتنا، وتنيخ مطاياها ببابنا، توظيفاً إيجابياً نرى من خلاله الوجه المشرق لها، والذي لا شك أنه سيعيننا على الاستثمار الأمثل لها، وربما قلبها إلى منح وعطايا بعد أن كانت محناً وبلايا. إن العاقل لا يستسلم للأزمات والحوادث الأليمة، ولا يرضخ لها، وإن تجرع مرارتها طبعا، بل ينظر إليها النظرة الإيمانية التي تعينه على الصبر والرضا، ومن ثم البحث عن الوجوه المشرقة والفوائد التي تعود منها.
وهذه النظرة الإيجابية هي التي تولد الأمل الذي هو أمنع قوة دافعة لحياة أفضل، ونافذة نطل منها إلى غد مشرق، وللأمل منافذ كثيرة وأبواب عديدة؛ وكما يقول المثل: حينما يغلق أمامك باب الأمل لا تتوقف لتبكي أمامه طويلاً؛ لأنه في هذه اللحظة انفتح خلفك ألف باب تنتظر أن تلتفت لها.
ويقول الحكماء: ليس الذكي الفطن هو من يحقق الربح أكثر، بل هو الذي يحول خسائره إلى أرباح ومكاسب، وفشله إلى نجاح باهر، فيولِّد الأرباح والنجاح من رحم الخسائر والفشل، لأن الفشل في نظره ليس إلا خطوة أولى في درب النجاح، ويكاد يكون لزاماً على أي شخص ناجح متفوق متألق أن يمر بسلسلة من الفشل في بداية مشواره.
وهكذا ينبغي أن تكون نظرة المؤمن إلى الأزمات والمحن والشدائد غير مقتصرة إلى الجانب المظلم فقط، بل عليه أن يبحث عن الوجوه المشرقة فيها، وألا يقتصر موقفه منها في حدود الصبر عليها وتحملها، بل عليه أن يحولها إلى منح وعطايا بإبراز المشرق منها، وتوظفيها في شتى المجالات، حتى يعيش حياة سعيدة مطمئنة، وإن لم يفعل فقد يصبح فريسة سهلة لمرض الاكتئاب الذي يجتاح العالم بأسره، وما أجمل قول إيليا أبي ماضي:
كُنْ بَلْسَمًا إِنْ صَارَ دَهْرُكَ أَرْقَمًا
إِنَّ الْحَيَاةَ حَبَتْكَ كُلَّ كُنُـوْزِهَا
مَـنْ ذَا يُكَافِئُ زَهْرَةً فَوَّاحَةً؟
لَو لَمْ تَفُحْ هَذِي، وَهَذَا
أَيْقِـظْ شُعُورَكَ بِالْمَحَبَّةِ إِنْ غَفَا
أَحْبِبْ فَيَغْدُو الْكُوخُ قَصْرًا نَيِّرًا
لَو تَعْشَقُ البَيْدَاءُ أَصْبَحَ رَمْلُهَا زَهْرًا
وَالْهَ بِوَرْدِ الرَّوْضِ عَنْ أَشْوَاكِهِ
فالكشف عن الوجوه المشرقة للأزمات والشدائد تربية {فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19)}، وتوجيه إلهي؛ كما قال تعالى: {فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } [النساء: 19]، وكما قال سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } [البقرة: 216].
تأمل وتفكر – مثلاً – في قصة الإفك رغم {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [النور: 19]. وعائشة – رضي الله عنها ووالديها – رغم فظاعتها وشناعتها وما تركته في نفس النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عموماً من آلام وأوجاع..! ومع هذا كله يعلِّمنا القرآن ألا نحسبها شراً، {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11] ، بل فيها خير لمن تدبرها وأمعن النظر فيها، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11]. وإمامنا وأسوتنا في هذا “فن البحث عن لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ، تأمل الأوجه المشرقة في الأزمات والمحن هو المربي الأول رسولنا وحبيبنا محمد كيف كان يقابل الشدائد والمحن لم تفت في عضده الأزمات، ولم تكدر حياته الملمات، فقد أصابه ما يصيب كل من يعيش في هذه الحياة الدنيا، فماتت زوجته الحبيبة خديجة – رضي الله عنها – في حياته، ولاقى ما لاقى من الكفار والمشركين، بل من ذويه وأهله واستهشد عمه حمزة رضي الله عنه في أُحد ومُثِّل به، وعُذِّب أصحابه في مكة، ومنهم من هُجِّر وشُرِّد، ومات أولاده كلهم في حياته، واتهم في عرضه الشريف، وأصيب في غزواته، وغير ذلك من المصائب، كل ذلك لم يكدر حياته، ولم يشغله عن النظر إلى الوجه المشرق للأزمات، ولم يحجب عنه تفاؤله الدائم الذي كان سمة بارزة فيه، فكان يبتسم ويحفظ توازنه في الشدة والرخاء، إذًا فلنقتد بالحبيب صلى الله عليه وسلم، لأن الحزن والألم لم يكن يوم ما صانعاً للمجد، وبانياً لمستقبل مشرق.