الثلاثاء 22 ذو الحجة 1430
مصنف ضمن : مع القرآن
64 زيارة

في تدبُّر القُرْآن

القرآن الكريم محمد بن شاكر الشريف
ذكر الله تعالى في كتابه التدبُّر وحض عليه، سواء من المؤمنين بالدين أم من الكافرين به، والتدبر مأخوذ من (الدُّبُر) الذي هو الخلف؛ فعندما حض القرآن الناس على التدبر؛ فقد حضهم على النظر إلى القرآن من جميع جوانبه والتأمل فيه بعمق، ولا يكتفوا فقط بالظاهر، وذلك لأن القرآن حق؛ فمن أي جهة نظر إليه الإنسان وتأمل فيه، فلن يملك غير الإقرار بأن الكتاب حق، وأنه من عند الله العلي الكبير.
وحَضُّ المشركين على النظر العميق والتأمل في القرآن من جميع جوانبه، يُعَدُّ نوعاً من التحدي لهم؛ فكأن الآيات تقول لهم: اجهدوا جهدكم وافعلوا ما شئتم، وانظروا في الكتاب بعمق وكرِّروا النظر وأعيدوه أكثر من مرة، فلن يقودكم ذلك إلى وجود نقص أو اختلاف فيما جاء به، ولو كان هذا القدر الكبير من الآيات على تنوع المواضيع التي اشتمل عليها والتي تنزلت في أماكن متفرقة وأزمان متباعدة وظروف مختلفة لو كان من عند غير الله – تعالى – لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.
وأما المؤمن؛ فإن تدبُّره لكتاب الله – تعالى – يفتح له آفاقاً واسعة للانتفاع بما في هذا الكتاب من أنواع العلوم المختلفة مما يقوده إلى استنباط كثير من الأحكام التي لم تكن تظهر عند عدم التدبُّر التام، كما أن التدبر يزيد في إيمان المسلم حتى تبدو أمامه الأمور وكأنه يراها بعينيه أو يلمسها بيديه، وقد قال الله – تعالى – في كتابه: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: ٩٢] فبيَّن الله – سبحانه وتعالى – أن تدبر الآيات من المقاصد العظمى في نزول القرآن، وقـد جـاء الحض علـى التدبر فـي آيـات عـدَّة من كتـاب الله – تعالـى – فقال: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء: ٢٨] كما قال – تعالى -: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: ٤٢] وقـال: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ} [المؤمنون: ٨٦] .
قـــال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي – رحمه اللـه تعالـى-: «يأمر – تعـالى – بتدبر كتـابـه، وهـو التـأمل فـي معـانيـه، وتحديق الفكر فيه، وفـي مبادئـه وعواقبـه، ولوازم ذلك؛ فإن تدبُّر كتاب الله مفتاح للعلوم والمعارف، وبه يُستنتَج كلُّ خير وتُستَخرَج منه جميع العلوم، وبه يزداد الإيمان في القلب وترسخ شجرته؛ فإنه يعرِّف بالرب المعبود، وما له من صفات الكمال، وما يُنزَّه عنه من سمات النقص، ويعرِّف الطريق الموصلة إليه وصفة أهلها، وما لهم عند القدوم عليه، ويعرِّف العدو الذي هو العدو على الحقيقة، والطريق الموصلة إلى العذاب، وصفة أهلها، وما لهم عند وجود أسباب العقاب.
وكلما ازداد العبد تأملاً فيه، ازداد علماً وعملاً وبصيرةً، لذلك أمر الله بذلك وحث عليه وأخبر أنه (هو) المقصود بإنزال القرآن»[1].
كيف يكون التدبر؟
والتدبر يكون عن طريق النظر والتأمل في النص وفي مفرداته وكيفية تركيب هذه المفردات معاً، وفي المعاني التي اشتمل عليها، وما يلزم ذلك من المعاني المبنيَّة عليها، كما يكون التدبر بالنظر في عدة نصوص؛ ليربط بينها؛ فيبدو منها مجتمعة ما لم يكن بادياً عند النظر على الإنفراد لكل منها.
والتدبر هو: محاولة إخراج ما في النص من مختلف الدلالات التي لا تظهر بادي الرأي، وليس من معنى التدبر: الإتيان بالغريب من الأقوال التي تعارض ظاهر النصوص، وإنما هو كشف لمعاني مستكِنَّة في النصوص لا تتحصل إلا بالفهم العميق والنظر والتأمل الكثير؛ فالتدبر وإن لم يكن تفسيراً لكنه لا يناقض التفسير، بل يمثل رافداً له.
معوِّقات التدبر:
مما يعيق تدبر المرء عند قراءته للقرآن، العادة والإلف؛ فإن المسلم – نظراً لكثرة قراءته ومداومته النظر في كتاب الله العزيز – يصير ما اشتمل عليه من المعاني العالية والعجائب اللطيفة من قبيل العادات؛ فلا يشعر القارئ بما فيها من عجائب الأمور ودقيق المعاني، كما أن الغفلة أثناء القراءة عما يقرؤه الإنسان تشكِّل عقبة كأداء في طريق التدبر؛ حيث يسرح القارئ بفكره في أمور كثيرة لا علاقة لها بما يقرأ، وينضاف إلى ذلك رغبته في الانتهاء من وِرْده، ولذلك قال مَن قال من السلف: لا يكن همُّ أحدكم آخر السورة، ولا تهذُّوه كهذَّ الشَّعر ولا تنثروه نثر الدقل[2] بل قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب.
بسم الله الرحمن الرحيم
أول ما نبدأ به في التدبر قوله – تعالى -: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: ١] وهو أول ما بدأ الله به كتابه في سورة الفاتحة.
عندما نتدبر هذه الآية وننظر فيها بعمق غير مكتفين بالظاهر القريب، نجد أن هذه الجملة المكوَّنة من هذه الكلمات الأربع قد اشتملت على معاني جليلة كبيرة؛ فمن ذلك:
- نفي الشريك عن الله – تعالى – فعندما يقول المسلم: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فهو يُقرُّ ويعترف أنه يبدأ عمله أو قوله بسم الله وحده وليس باسم أحد آخر؛ فـلا يقـول – مثلاً -: باسـم الشعب أو الأمة أو الوطن… ونحو ذلك من الكلمات التي تدور على ألسنة الكثيرين، ولذلك كثر استخدام هذه الآيـة فـي مكاتبـات الرسل أفضـل عبــاد اللـه – تعالـى – ومَن تابعهم على طريقتهم، لأن فيها إعلان التوحيد، فهذا نبي الله سليمان – عليه السلام – عندما أرسل خطابه إلـى ملكة سبـأ قـال لها – كمـا قص اللـه علينـا – : {إنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإنِّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: ٠٣ - ١٣].
وعندما كتب الرسول الأعظم محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم – إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام كتب إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم…» الحديث[3]، وعندما أراد الرسول الكريم أن يكتب كتاب الصلح بينه وبين المشركين في الحديبية دعا الكاتب، فقال: اكتب الشرط بيننا: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله…» الحديث[4].
وفي كتاب النبي – صلى الله عليه وسلم – لِـمُجَّاعَةَ: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي لِـمُجَّاعَةَ بن مرارة من بنى سلمى…» الحديث[5]، وكتب رســول اللـه – صلى الله عليه وسلم – لِعَـكٍّ ذِي خَيـْوَانَ : «بسم اللـه الرحمن الرحيـم من محمد رسـول اللـه لِعَكٍّ ذِي خَيْوَانَ إن كان صادقاً في أرضه وماله ورقيقه، فله الأمان وذمة الله وذمة محمد رسول الله»[6]، وكتب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لبلال بن الحارث المزني: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بلال بن الحارث المزني أعطاه معادن القبلية…» الحديث[7].
وكتب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لبني زهير بن أقيش: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله لبنـي زهير بن أقيش – حي من عكل -: إنهم إن شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وفارقوا المشركين وأقرُّوا بالخمس في غنائمهم وسهم النبي وصفيِّه؛ فإنهم آمنون بأمان الله ورسوله»[8] وحين بعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين كتب له: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله النبي الأمي القرشي الهاشمي رسول الله ونبيه إلى خلقه كافة للعلاء بن الحضرمي ومن معه من المسلمين؛ عهداً أعهده إليهم اتقوا الله أيها المسلمون! ما استطعتم…»[9].
وعندما وجَّه أبو بكر الخليفة الراشد – رضي الله عنه – أنس بن مالك للبحرين لجمع الصدقة «كتب له هذا الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله…» الحديث[10].
وكتب الخليفة الراشد الثاني الفاروق عمر – رضي الله عنه -: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث…» الحديث[11]
وقد ورد ما يدل على فضل هذه الآية؛ فقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : «إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة؛ فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمَتْكَ كتَبَتِي الحافظون؟ قال: لا يا رب! فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيُبْهَت الرجل، فيقول: لا يا رب! فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة واحدة لا ظُلم اليوم عليك؛ فيُخرَج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب! وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تُظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم»[12]، فكأن «بسم الله الرحمن الرحيم» تعادل شهادة التوحيد.
ولما أصيبت يد طلحة بن عبيد الله في إحدى الغزوات مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: حس، فقال له الرسول – صلى الله عليه وسلم – : «لو قلت: بسم الله الرحمن الرحيم، لرأيت بناءك الذي بنى الله لك في الجنة وأنت في الدنيا»[13].
وروى أبو نُعيم الأصفهاني في حلية الأولياء بسنده عن محمد بن الصلت، يقول: «سمعت بِشْر بن الحارث وسُئل ما كان بَدء أمرك؟ لأن اسمك بين الناس كأنه اسم نبي، قال: هذا من فضل الله، وما أقول لكم: كنت رجلاً عياراً صاحب عصبة، فجزت يوماً فإذا أنا بقرطاس في الطريق فرفعته، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، فمسحته وجعلته في جيبي، وكان عندي درهمان ما كنت أملك غيرهما، فذهبت إلى العطارين فاشتريت بهما غالية ومسحته في القرطاس، فنمت تلـك الليلـة، فرأيت فـي المنـام كأن قائـلاً يقـول لـي: يا بشر بن الحارث! رفعت اسمنا عن الطريق وطيبته، لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة، ثم كان ما كان».
- ومن ذلك: الإقرار بأن الله وحده هو المعين الذي يستعين به العبد على تحقيق ما يريد؛ لأن (بسم الله) تعني: أنني أبداً مستعين بالله وحده لا مستعين بسواه؛ فقدْرَته مطلقة كاملة لا يحدها شيء بعكس قدرات الناس؛ فإنها مقيَّدة ومحدودة، وإفراد الله – تعالـى – بالاستعانة، فيـه الشهادة لله – تعالى – أنه على كل شيء قدير وأنه ليس له ظهير أو نصير؛ ولذلك استعان به المسلم وحده ولم يستعن بأحد معه، كما أن فيه الشهادة بكرم الله على عباده؛ حيث يفتتحون أعمالهم وأقوالهم باسمه – تعالى – وهم على رجاء كبير أنه يحقق لهم مطلوبهم.
- ومن ذلك: إظهار عجز الإنسان وعدم قدرته على الإنفراد بتحقيق مطلوبه ما لم يكن هناك عـون مـن اللـه – تعالى – في ذلك؛ لذا شُرعت التسمية في كثير من الأمور: في النوم والاستيقاظ، في الخروج من المنزل ودخوله، في الأكل في الشرب في الذبح… وغير ذلك من الأمور.
- ومن ذلك أن الله ضَمِن الرزق لعباده؛ لأن الرحمة لا تكتمل في جميع صورهـا وأشكـالها إذا كـان المخلـوق لا يضمن رزقه وما يقيم به أوْدَه، وهذا يجر من جانب آخر إلى عدم ابتغاء الرزق عنـد غيـر اللـه الرحمـن الرحيـم، قـال – تعالـى -: {فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ} [العنكبوت: ٧١] وقال – تعالى -: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [فاطر: ٣] والآيات في ذلك كثيرة.
- ومن ذلك: أن ما خلقه الله – تعالى – وإن ظهر فيه لنا بادي الرأي أنه من المصائب: كخلق الحيات والعقارب والسباع… ونحو ذلك، فإن فيه حِكَم عظيمة وفوائد جليلة حتى وإن خفيت علينا، لأن الرحمن الرحيم لا يخلق ما فيه الضرر والشرور على عباده من غير مصلحة ترتجى من ورائه.
- ومن ذلك: أن الداعية يعتمد في دعوته الترغيب والتبشير ويقدمهما على الترهيب والإنذار؛ فأول آية في كتـاب الله – تعالـى – يقـابلها الناس فـي القرآن قولــه – تعالـى -: بسم الله الرحمن الرحيم، ولم تكن: بسم الله العزيز القهار مثلاً مع أن ذلك حق وصواب؛ فهذا مما يدل على أن الرحمة سابقة للغضب وأن الترغيب سابق للترهيب، وأن التبشير سابق للإنذار.
مما يُبيِّن أنه علــى الداعـي أن يعتمـد كثــرة الترغيـب لا كثرة الترهيب، وكثرة التبشير لا كثرة الإنذار، وهو الذي يبدأ به ويقدمه على غيره، وأنه يحبِّب الناس في ربهم؛ لأنه الذي يعطيهم بلا حساب… مما يبين ذلك ما أخرجه الطبراني فـي مسند الشاميين عـن رسول اللـه – صلى الله عليه وسلم – قـال: «ألا أحدثكم عن رجلين من بني إسرائيل، أما أحدهما؛ فيرى أنه أفضلهما في الدين والعلم والخُلُق، وأما الآخر؛ فيرى أنه مسرف على نفسه، فذُكر عند صاحبه، فقال: لن يغفر الله له، فقال الله: ألم تعلم أني أرحم الراحمين؟ ألم تعلم أن رحمتي سبقت غضبي؟ وإني قد أوجبت لهذا الرحمة ولهذا العذاب، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : «فلا تتألوا على الله»[14].
وقال الرسول – صلى الله عليه وسلم – : «لـمَّا قضى الله الخلق كتب عنده فوق عرشه، إن رحمتى سبقت غضبى»[15] وإذا كانت رحمة الله سبقت غضبه؛ فهذا يعني: أنه لا يهلك عند الله إلا من كان موغلاً في الضلال نافراً عن الهداية؛ لأن الله يمهله ويدعوه للتوبة، فإذا رجع إليه قَبِلَه وغفر له وبدَّل سيئاته حسنات؛ فلا يَهلِك والحـالـة هـذه إلا الشارد الـذي لا يريـد الخيـر ولا يسعى إليه، كما أن معرفة المسلم أن الله رحمن رحيم تجعلـه يُقْبِـل دائمـاً علـى ربــه وإن وقعــت منـه المعصيــة ولا ييئس من رحمة الله، بـل كلما أذنب، تاب واستغفر وهو على أمل القبول؛ لأن ربه رحمن رحيم.
- ومن ذلك: أن الآية لم تقتصر على قوله: «بسم الله» مع أنها كافية، بل جاء معها لفظ: «الرحمن الرحيم» لتكون بمثابة الحافز الذي يُطمع العبد في فضل الله وعفوه، مما يجعله دائماً مقبِلاً على ربه غير منقطع عنه، مؤمِّلاً ما عنده من الخير العميم والرحمة التامة الكاملة، وهذا لخير العبد ونفعه؛ لأن الله – تعالى – لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين.
- ومن ذلك: بيان سعة رحمة رب العالمين؛ فإن الآية لم تقتصر على لفظ الرحمن فقط كأن تكون: (بسم الله الرحمن) أو لفظ الرحيم فقط؛ كأن تكون: (بسم الله الرحيم) فاجتماع اللفظين معاً دالٌّ على أن هناك تفاوت في دلالة كلًّ من اللفظين على الرحمة، مع أن كِلا اللفظين يدل على الرحمة، ومن ثَمَّ؛ فإن اجتماعهما معاً يدل على أن جميع الصور التـي يمكن تصورهـا في الرحمـة هـي من أفراد رحمة اللـه – تعالـى – الجامعة، سواء كانت رحمة في الدنيا أو رحمة في الآخرة أو رحمة في الشرائع، يقول الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – : «جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً؛ فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه»[16].
- ومن تلك المعاني التي تدل عليها البسملة: أن الإنسان لا ينبغي له أن يلجأ في الشدائد لأحد غير الرحمن الرحيم؛ فإن لم ينتشله الرحمن الرحيم من هذه الشدة أو الورطة، فلن ينتشله أحد؛ لأن الله – تعالى – أرحم به من كل أحد، بل الله – تعالى – أرحم بالإنسان من رحمته بنفسه، ومن هنا يتبين أنه من الخسران المبين أن يلجأ الإنسان لغير الرحمن الرحيم في كشف ضُرِّه وتفريج كربه، بل يدل لجوؤه لغير الرحمن الرحيم في هذه الحالات على ضعف أو فوات إيمانه بهاتين الصفتين.
- ومن ذلك: أن ما شرعه الله من الواجبات، أو ما حدده من العقوبات والحدود على المخالفات، أو ما قدره من الأقدار، لا تخالف مقتضيات رحمته التي وسعت كل شيء، وهذا يبين أنها مقدورة للعبد، سواء في فِعْل الواجب أو اجتناب المحرَّم أو الصبر على المصيبة، وأنه ليس في ذلك تكليف بما يستحيل كونه أو بما يعسر ويشق مشقة خارجة عن وُسْع الإنسان؛ فهذا الذي يليق برحمة الرحمن الرحيم، وهذا ما يبين جهل المعترضين على حدود الله وظُلْمَهم؛ حيث يظنون أن في الحدود عنف وقسوة.
- ومن ذلك: دلالة التسمية على كون الرسول محمد صلى الله عليه بشراً؛ فهو أول من بلغته هذه الآية، وهو أول من قرأها وبلَّغها، وهي شاهدة على استعانته بالله وهو ما يبين إقراره بالعبودية لله – تعالى – وأنه لا يستنكف من ذلك، بل هو حريص على تكريس هذه الحقيقة عندما قال لأصحابه: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله».
هذه بعض النظرات التي رأيتها من خلال تدبر ألفاظ البسملة ومن كونها أول ما بُدئ به كتاب الله، ولا يزال القرآن يعطي من كنوزه لمن تأمَّل فيه وتدبره.
نسأل الله – تعالى – أن يجعلنا من الذين يتدبرون كلامه على الوجه الذي يرضيه عنا وأن نكون من العاملين به الداعين إليه.